الشوكاني
99
فتح القدير
لمن بقي ولمن يأتي . وقيل إن الأول الأجل الذي هو محتوم ، والثاني الزيادة في العمر لمن وصل رحمه ، فإن كان برا تقيا وصولا لرحمه زيد في عمره ، وإن كان قاطعا للرحم لم يزد له ، ويرشد إلى هذا قوله تعالى - وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب - . وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن صلة الرحم تزيد في العمر ، وورد عنه أن دخول البلاد التي قد فشا بها الطاعون والوباء من أسباب الموت ، وجاز الابتداء بالنكرة في قوله ( وأجل مسمى عنده ) لأنها قد تخصصت بالصفة . قوله ( ثم أنتم تمترون ) استبعاد لصدور الشك منهم مع وجود المقتضى لعدمه : أي كيف تشكون في البعث مع مشاهدتكم في أنفسكم من الابتداء والانتهاء ما يذهب بذلك ويدفعه ، فإن من خلقكم من طين وصيركم أحياء تعلمون وتعقلون وخلق لكم هذه الحواس والأطراف ، ثم سلب ذلك عنكم فصرتم أمواتا وعدتم إلى ما كنتم عليه من الجمادية . لا يعجزه أن يبعثكم ويعيد هذه الأجسام كما كانت ، ويرد إليها الأرواح التي فارقتها بقدرته وبديع حكمته . قوله ( وهو الله في السماوات وفى الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون ) قيل إن في السماوات وفى الأرض متعلق باسم الله باعتبار ما يدل عليه من كونه معبودا ومتصرفا ومالكا : أي هو المعبود أو المالك أو المتصرف في السماوات والأرض كما تقول : زيد الخليفة في الشرق والغرب : أي حاكم أو متصرف فيهما ، وقيل المعنى : وهو الله يعلم سركم وجهركم في السماوات وفي الأرض فلا تخفى عليه خافية ، فيكون العامل فيهما ما بعدهما . قال النحاس : وهذا من أحسن ما قيل فيه . وقال ابن جرير : هو الله في السماوات ويعلم سركم وجهركم في الأرض . والأول أولى ، ويكون " يعلم سركم وجهركم " جملة مقررة لمعنى الجملة الأولى ، لأن كونه سبحانه في السماء والأرض يستلزم علمه بأسرار عباده وجهرهم ، وعلمه بما يكسبونه من الخير والشر وجلب النفع ودفع الضرر . وقد أخرج ابن أبي حاتم عن علي أن هذه الآية أعني الحمد لله إلى قوله ( ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ) نزلت في أهل الكتاب . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن عبد الرحمن بن أبزي عن أبيه نحوه . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد قال : نزلت هذه الآية في الزنادقة ، قالوا : إن الله لم يخلق الظلمة ولا الخنافس ولا العقارب ولا شيئا قبيحا ، وإنما يخلق النور وكل شئ حسن ، فأنزلت فيهم هذه الآية . وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس ( وجعل الظلمات والنور ) قال : الكفر والإيمان . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة قال : إن الذين بربهم يعدلون هم أهل الشرك . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي مثله . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد قال : ( يعدلون ) يشركون . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله ( ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ) قال : الآلهة التي عبدوها عدلوها بالله ، وليس لله عدل ولا ند ، وليس معه آلهة ولا اتخذ صاحبة ولا ولدا . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ( هو الذي خلقكم من طين ) يعنى آدم ( ثم قضى أجلا ) يعنى أجل الموت ( وأجل مسمى عنده ) أجل الساعة والوقوف عند الله . وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه عنه في قوله ( ثم قضى أجلا ) قال : أجل الدنيا ، وفى لفظ أجل موته ( وأجل مسمى عنده ) قال : الآخرة لا يعلمه إلا الله . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه ( قضى أجلا ) قال : هو اليوم يقبض فيه الروح ثم يرجع إلى صاحبه من اليقظة ( وأجل مسمى عنده ) قال : هو أجل موت الإنسان .